-->
random

آخر المواضيع

random
recent
جار التحميل ...
recent

تمثيل الصحراء في الرواية الجزائرية بقلم / د. ابراهيم صحراوي إعداد: ربيعي محمد


#أدب_جزائري :

تمثيل الصحراء في الرواية الجزائرية


"تيميمون " لرشيد بوجدرة و"بحثا عن آمال الغبريني" لإبراهيم سعدي نموذجا

تحضر الصحراء بقوة في الوعي الجمعي الجزائري، لكونها جزءا لا يتجزّأ من الهوية الجزائرية ترابيا، جغرافيا، مناخيا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، حضاريا، وأخيرا: أمنيا. تمثل ما نسبته 84 ٪ تقريبا من إجمالي مساحة الجزائر التي تَعُدُّ 2382000 كلم2 (مليونين وثلاثمائة واثنين وثمانين ألف كيلومتر مربّع).

من هنا تتواتر في الخطاب الجزائري بمختلف أشكاله وصيغه ومجالاته ومضامينه. يُكنّى عنها في هذا الخطاب أحيانا كثيرة بموقعها الجغرافي نسبة إلى باقي أجزاء الوطن، بعبارة: "جنوبنا الكبير أو الجنوب الكبير".

ولأنّ الخطاب الأدبي شعره ونثره هو أحد تجليات هذا الخطاب العام، فإنّها تأخذ منه حيِّزا هو وإن كان محدودا إلاّ أنّه ذو دلالة. فإلى جانب حضورها في نصوص شعرية كثيرة، تتمظهر جليا أو ضِمنيا (إن جاز التعبير) في أعمال سردية تضمّ شخصيات تضطرها ظروف ما لأن تتواجد في هذا الحيِّز الجغرافي: - السكنُ والانتماءُ الجغرافي. - العملُ (في المنشآت الاقتصادية وملحقاتها المرتبطة بصناعة المحروقات، أو المؤسَّسات والمصالح العمومية الأخرى في مختلف المجالات). – المرابطةُ على الحدود دفاعا عن الوطن أو مكافحةً للتهريب والتصدّي للإِضرار بالاقتصاد الوطني. - المعتقلاتُ التي هيّأتها السلطة مطلع سنة 1992 عقِب توقيف المسار الانتخابي حينَها ووضعها فيها آلاف أنصار الحِزب المُحلّ (نجد هذا الجانب في الروايات والقِصص التي تناولت الأزمة الجزائرية والعنف المسلَّح الذي صاحبها والآثار المُترتِّبة عنه ممّا اصطُلِح على تسميته رسميا بـ:المأساة الوطنية). ومِمّا يتّصل بهذا الجانب أيضا الشخصيات التي تضطرها أو بالأحرى اضطرتها ظروف الوضع الأمني الذي أعقب توقيف المسار المُشار إليه إلى الهروب والاختفاء عن الأعين، وهو ما تجسَّد فعليا في النموذجين المختارين هنا. كما تحضرُ الصّحراء في قصص الخيالِ العِلمي (القليلة جدا في السرد الجزائري) ومنه "البحيرة العظمى" القصّة الجميلة المُوجَّهة للفتيان للقاص والباحث والأكاديمي د. أحمد منّور.

المُدوّنة. لأخذ فكرة بسيطة عن كيفية تمثيل الساردين الجزائريين للصحراء، اخترنا نموذجين. الأول، وقد ركّزنا عليه كثيرا، هو رواية "تيميمون" لرشيد بوجدرة الصادرة سنة 1994 والمكتوبة باللغة الفرنسية أصلا والمُترجمة إلى اللغة العربية، ويُرجَّح أنّ الترجمة للمؤلِّف نفسه. والثاني، وقد مررنا به مرورا سريعا، هو رواية: "بحثا عن آمال الغبريني" لـ:إبراهيم سعدي، المكتوبة باللغة العربية والصّادرة ضمن منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين سنة 2003.

يجدر بنا قبل النّظر في مدونتنا هذه أن نُعرِّف التمثيل الذي هو عملية ذهنية تُنظِّم فهْمَنا للواقع. ذلك "إن علاقتنا بالواقع متعلّقة ضرورة بمجموعة من تظاهراته الجلية (الظواهر) وبمجموعة من الأدوات ذات البعد الإدراكي المعرفي تسمح لنا بضبطه والتصرّف بناء عليه. والتمثيل مُدركا على أنّه كينونة مادية أو ذهنية يُعطي شكلا ومضمونا لكينونة مُسلَّما بوجودها في الواقع يستجيب لهذه الضرورة. تُقوم ملاءمته بناء على قدرته على تشكيل نموذج فعّال للواقع الذي يُمثِله. من هذا المنظور يمكن أن يكون التمثيل صورة ذهنية أو مادية ويمكن أن يكون فرديا أو جماعيا..الخ". التمثيل إذن هو الواسطة التي نمرُّ عبرها إلى الواقع.

1.1. تيميمون. (النصّ الفرنسي 126 صفحة من القطع الصّغير)


1.1.1. العنوان وإحالاته.


تُشير الروايةُ كما يدلُّ على ذلك عنوانها إلى إطار مكاني هو مدينة تيميمون المدينة الصحراوية الجزائرية التي تبعد عن الجزائر العاصمة بما يقارب الـ1400كلم إلى الجنوب الغربي. تسمّى بالواحة الحمراء. قريبة من مدينتين أخريين هما أدرار وعين صالح. هي قِبلة سياحية لكثيرين من داخل الجزائر ومن خارجها. تبدأ أحداث حاضر السّرد الروائي مع تيميمون وتنتهي معها. بمعنى أنّ الرحلة الحقيقية والدلالات الأساس للمكان إنما تبرز فيما بين التوجه منها إلى عمق الجنوب وأقاصيه شرقا خصوصا إلى منطقة الأهڤار وجبالها القريبة من مدينة جنوبية أخرى هي تمنراست غير البعيدة عن الحدود الشرقية للجزائر والعودة إليها ومنها إلى الشمال، إلى العاصمة. إضافة إلى ما سبق تختصر المدينةُ هنا الصحراءَ من باب الإشارة إلى الكلِّ بالجزء.


1.1.2. الحدث وصنَّاعُه.

1.1.2.1. البطل / الراوي.


دليل سياحي كهل. يرافق منذ سنوات عديدة على متن حافلته العتيقة التي اشتراها من جنيف سياحا إلى الجنوب ثلاث أو أربع مرات في السّنة. كان قبل امتهان الإدلاء السياحي طيارا مقاتلا في سلاح الطيران. فُصِل من الخدمة وطُرِد من الجيش لتوجُّهه مرة إلى بروكسيل على متن طائرة ميغ 21 دون إذن من أحد لا لشيء إلاّ للشرب في أحد بارات المدينة. اعتقلته الشرطة العسكرية البلجيكية وسلّمته بطائرته المخطوفة لبلده، لكن بعد أن أروى ظمأه كما يقول وأرسل لأبيه (نكاية فيه) بطاقة من هناك. ولم تكن تلك هي المرة الأولى (ص 22). كان مدمنا على مخالفة الأوامر والقيام بمناورات وحركات خطيرة على متن طائرات الميغ والسوخوي، كما لو كان يبحث عن خطأٍ كخطأِ أخيه يودي بحياته. هو شخصية مُعقّدة. ذميم الخِلقة كما يصف نفسه. لا وسامةَ ولا توازن ولا انسجام بين أجزاء بدنه ومكوِّناته. لذلك يرفض النَّظر إلى وجهه في المرآة غير أنّه مضطر إلى ذلك طوال وجوده خلف عجلة القيادة لكثرة المرايا العاكسة مقابله وعلى جانبي/جناحَيْ الحافلة. يبدو أكبر من سنِّه الحقيقي بعشر سنوات. سكِّير أدمن الكحولَ، الفودكا، شرابَه المُفضّل (وربّما الوحيد) قبل السادسة عشرة من عمره بقليل، أي منذ حادثة وفاة أخيه البِكر، عندما أخفق هذا الأخُ فيما كان ينجح فيه دائما تحديا لأصدقائه ورفاقه: ركوب الترامواي بعد انطلاقه. أخطأت رجلُه عتبة العربة مرّة فدهسته وانتهى تحت العجلات. وفاة تشبه الانتحارَ ألقت بظلالها على البيت والأسرة وكانت آثارُها وخيمة عليه هو خصوصا وعلى أمِّه التي تجمّدت الدموع في عينيها منذ ذلك الحين. يحبُّ المطالعة والموسيقى، مُتفوِّق في الدراسة وحلِّ المسائل الرياضية مع صديقيه كمال رايس وهنري كوهين. يعاني من مشاكل وجودية تمنعه من أن يعيشَ العالَم كما هو. يشعر دائما بالضيق وانحراف المزاج وسُوئه منذ أن اكتشف صدفة في الثامنة دمَ الطمث وتلقِّيه عقوبة نتيجة ذلك. لم يعرف من النّساء ما يعرفه الرجل على الرغم من إدمانه التلصُّص على حميميات نسوية أخرى وإطنابه في وصفها وصْفا يثير التقزُّز وبجرأة تتماهى مع الوقاحة أحيانا كما سنشير إلى ذلك في فقرة موالية.. كان يتفاداهنّ دائما. يسكنه خوف غامض منهن وبرودة تجاههنّ أمام دهشة صديقيه ورفيقي طفولته ومراهقته في مدينة قسنطينة كمال رايس واليهودي هنري كوهين السابقة الإشارة إليهما. إضافة إلى شعور بالذنب تجاههنّ وتبكيت الضمير، واعتبارهنّ جُرحَ الإنسانية. خوفه منهنّ هو جزء من خوفه المزمن منذ أن تجاوز الخامسة عشرة بقليل، أي في عِزّ المراهقة. خوف فظيع فقد معه انتظام نبضات قلبه. لا يعرف له سببا فيُعيدُه في كلّ مرّة إلى شيء حدث له في طفولته أو المراهقة كالعقاب الذي كان يلقاه من أبيه كلّما ارتكب خطأً ما (ص 15.)

أمام هذا الواقع وعلاقاته المتوتِّرة مع العالَم وعدم التجانُس معه وفقدان القدرة على عيشه كما هو مثلما سبقت الإشارة، كان يرفضه ويحاول إلغاءه بالهروب منه في كلِّ مرة نحو شيء ما: الكحول في الخامسة عشرة، مركبات نادي الطّيران العتيقة في السادسة عشرة، سلاح الجوّ وقيادة الطائرات المقاتلة في العشرين. الحافلات العتيقة العابرة للصحراء في الثلاثين، ثمّ امتهان عبور الصحراء وركوب مخاطِرها. هروبٌ بحثا عن شيء غامض كأنّه الانتحار لرغبة غامضة فيه ورِثها عن أخيه البِكر المتوفَّى، مع أنّه يُصرِّح في كلِّ مرّة بجبنِه. هروب يجد فيه مُتعَة وانتشاءً خارقين كلّ مرة خصوصا في الصّحراء على الرَّغم من كثرة الأوصاف السلبية والآثار السيئة التي أعطاها لها.

1.1.2.2. الرِّحلة إلى الصَّحراء ومسارُها.


الرِّحلة إلى الصّحراء هي المرحلة الأخيرة من مراحل اللجوء/الهروب التي مرّ بها البطل/الراوي. ينطلق مسارها الذي يقطعه مِرارا وتكرارا ثلاث أو أربع مرات في السنة منذ عشر سنوات من الجزائر العاصمة إلى تيميمون مرورا بالقولية. ومن تيميمون إلى عمق الصّحراء ذهابا وإيابا كما سبقت الإشارة. تستمرُّ أياما عديدة يقضيها مع زبائنه الخمسين على متن حافلته. المسار بجباله وألوانها المُمتعة التي تغلب على المنطقة ومناظرها الجميلة (خصوصا وأنّ المنطقة تشهد على مدار السنة أحد أجمل مناظر شروق الشمس في الكون) وتنوعات تضاريسه الخلاّبة والتشكيلات البديعة لرماله وصخوره، وتحولاتها وتقلباته المناخية ليلا ونهارا، ممّا يُميِّز الصّحراء والمخاطر الكثيرة التي تكتنِفُه مع المتعة التي يمنحها، هو المنتَج الذي يُروّجه بطل الرواية وراويها لزبائنه ويتواتر على طولها، كما أنّه بتحولاته المختلفة الباعث على مشاعر البطل وأحاسيسه.

1.1.2.3. الحافلة.


تحتلُّ حافلة البطل/الراوي مكانة مهمّة في الرواية. فإضافة إلى كونها الأداة الأساس لقطع المسار على آلاف الكيلومترات، سمّاها بعد امتلاكها: "extravagance-شذوذ/غرابة" ("شطط" في النسخة العربية). وهي شاذّة وغريبة فعلا. شذوذ وغرابة يصنعهما تناقضان اثنان فيها: أ- عتاقتها، فقد صُنِعتْ أواخر الأربعينيات، ومن ثمَّ عدم تجانسها مع مثيلاتها الحديثة ومع المنظر العامّ من جهة، ومع قساوة المسار الذي ينتظرها من جهة ثانية. ب- قوتها وتحدِّيها حيث أنّه أدخل عليها تجديدات وتعديلات عِدة خصوصا ما تعلَّق منها بمحرِّكها فأعطاه (وأعطاها) القوة الضرورية التي يتطلّبُها قطعُ مسار طويل ومحفوف بمخاطر كثيرة كهذا، وصنعَ تفوقها على الحافلات الحديثة (ص 17) ما يُشكِّل ردّا مُفحِما على من يستصغرها ويُقلِّل من شأنها خصوصا من السائقين الذين يستصغرونها. من هنا تنشأ علاقة حميمية بينه وبينها تعود بدايتها إلى لحظة شرائِها من مالكها السويسري في جنيف بثمن بخسٍ بعد جُهد حِجاجي إقناعي كبير. حِجاج لفظي وسلوكي تمثّل في جلسة شُرْب امتدّت ليلة كاملة مع مالِكها في أحد مشارب/حانات جنيف أفرغا فيها زجاجتي فودكا وكلَّفته مقدار ما دفعه فيها. تُعوِّضُه هذه العلاقة عن غياب صديقيْ حياته منذ الطفولة والمراهقة في مدينة قسنطينة: كمال رايس، واليهودي هنري كوهين.

1.1.2.4. سارة (صرّاء في النسخة العربية).


حدث أثناء المسار المُشارِ إليه تطوّر مُهم ميَّزه هذه المرّة عن الرحلات السابقة هو وجود فتاة في العشرين من عمرها ضِمن زبائنه السُّياح اسمها صارّة تجلس وراءه مباشرة. هذا الوجود الحاضر بقوة هو عِلّة الرواية كُلِّها إذْ هو الحدثُ المُفسِّر للأحداث المُستعادة على مدار الرِّحلة لأنّه محرِّك أحاسيس ومشاعر البطل/الراوي وانجذابه إلى الجِنس الآخر إلى الأنثى. استيقاظ الإحساس بالأنثى هذا والرغبة فيها هو بداية تيار وعي وتداعي مشاعر وأحاسيس ارتبطت به كيَّف الرِّحلة والبطل/الراوي والرواية معا فكان سببا في عودته إلى أعماق الوِجدان والذاكرة معا. وقع في غرامها واشتهاها -وهو الذي يخاف من النّساء ويتحاشاهن- وراح يصفها ما ظهر منها وما تخيَّله. هي في ملامحها أقرب إلى الفتى منها إلى الفتاة بتكوين جسمها وطريقة تسريحة شعرها القصير، لخّص كلّ هذا الشّبه بالعبارة الفرنسية المعروفة : un garçon raté، وهي تُلخِّص صورة تستعصي ترجمتها ترجمة دقيقة إلى العربية، لكنّ معناها عموما هو البنت الُمسترجلة مظهرا وسلوكا. حدّثها عن نفسه، عن ماضيه، بيدَ أنَّها كانت مُتعجرِفة غير عابِئة. لم تُبدِ أيّ شيء تجاه هذا الحبّ الوليد، مع إحساسها به. كثيرا ما يجعله هذا الحُبُّ ينسى بقية زبائنه، السياح الآخرين، أو ينسى نفسَه ذاتَها فيكاد يتيهُ عن معالِم المسار على الرغم من خِبرته به وطرْقه أحيانا لأجزاء منه خاصّة به لا يعرفها باقي زملاء مهنته من السائقين والأدلاء السياحيين. كما يجعله يتعمَّد التيه أو غوص الحافلة في الرمال أحيانا. اقترح عليها مرّة أن ترافقه إلى أحد المحالّ السرية التي تُقام بها حفلات تحشيش وغناء ذي طابَع محلِّي يُسمّى "أهاليل" يتميّز بأجواء إيروتيكية/جنسية وثنية صوفية دينية كما يقول (ص 71) تمتدُّ من غروب الشمس إلى فجر اليوم المُوالي، وذلك بغرض إفهامها بطريقة غير مباشرة وبِرِفق كيف كانت استثنائيةً وخارقةً جلساتُ الخمر والتحشيش التي كان طرفا فيها في مراهقته فرفضت، لكنّها فاجأته ليلة انتهاء الرِّحلة عند الوصول إلى تيميمون لقضاء الليل بها قبل العودة إلى العاصمة باقتراح حضور إحدى هذه الحفلات فاستجاب لرغبتها دون تردُّد مع أنّها لم تُلِحّ على ذلك، هنا كانت صدمته: افتتنتْ سارة بشابّ أسمر من سنِّها من العازفين في الجلسة من أهل البلد ووقعت في غرامه، لم تَعدْ معه إلى الفندق فاضطر إلى تعديل برنامج العودة لانتظارها والغرق في الشّرب وعبِّ الفودكا حتى فقدان الوعي كعادته كلّما أراد الهروب من معضلة تُصادفه على غرار ما اشرنا إليه من هروب أمِّه من صداعها الأسطوري، الصُّداع التعِلّة بشدِّ رأسها بغطاء/خِمار بربري. تتضاعف صدمته ويزداد أسفه عندما تعود وبصحبتها الشاب، فيتقبّل الأمرَ، بل أكثر من ذلك يضطرّ حِفاظا على ماء وجهه (وهي مفارقة لافتة) إلى قبول سفره معهم إلى العاصمة ورفض المقابل الذي اقترحته صارّة وهو ما ضاعف من عذابه وآلامه وغيرته وكُرهِه للشاب وحِقده عليه طوال الرِّحلة وهو يُشاهد في مرآته العاكسة انسجامهما ويراقب تعابير ملامحها ويؤوِلُها. ينتبِه في الأخير إلى أنّها الشبيه تقريبا لصديقه كمال رايس حين مُراهقته: لون العينين المتأرجح بين الأزرق والبنفسجي نفسُه، الأهدابُ الطويلةَ المُقوّسة نفسُها، المِشية المُفكّكة نفسها، الوجه المنحوت نفسُه. يتساءل بفزعٍ عمّ إذا كانت الشبيه الأنثوي لصديقه لينتهي إلى التأكيد بأنّه لم تكن له في مراهقته تلك النظرة الداعرة المُخادعة المُنحرفة المُريبةَ تِجاهَ صديقه، على الرغم من أنّ صديقه الآخر كوهين كان يهزأ به مِرارا لإعجابه بصديقهما المُشترَك إلاّ أنّه إعجابٌ عادي كما يقول مع اعترافه بأنّه كان يجدُه جميلا جذّابا ويعرف الطُّرُق السبعَ والعشرين لحلِّ معادلة رياضية في وقت قياسي ويحفظ رباعيات الخيام عن ظهر قلب. هل هي عودة في الزمن؟ مُراهقة متأخِّرة؟ اختفتْ بعد هذا الاعتراف المُثير نظرتُه المُدقِّقة في صارّة. وانقلب هيامُه إلى كُرهٍ لها. أصبحت نظرتُه إليها عادية مُباشِرة صريحة وحدث له تحوُّلٌ جوهري: أحسّ معه بنفسه شخصا آخر. أمّا هي فقد شحُب وجهُها وأصبحت فجأة قبيحة في نظره وميِّتة بالنسبة له.

1.1.2.4. عائلة الراوي البطل


لبعض أفراد عائلة الراوي البطل حضور قوي في الرواية أثّر كلُّ فرد منها خصوصا الأب والأم والأخ البِكرُ المُتوفَّى بنسبة مُعيّنة على أحداثها ما تعلَّق منها بالبطل/الراوي خاصّة.

1.1.2.4.1. الوالدان.


تواتر ذِكر والدَيْ البطل/الراوي في النصّ وكان لكلٍّ منهما دورٌ في تكوين شخصيته وفيما لاقاه وحلَّ به فيما بعد.

كانَ أبوه دائمَ الغياب. بل هو التجسيد الحيُّ للغياب ماديا ومعنويا. لا مبالٍ. مهمِل لواجباته الزوجية والأبوية. لا ينقطع عن التجوال واكتشاف العالم. يبعث من كلّ مدينة يحلّ بها بطاقة بريدية لا تحمل سوى اسم المدينة وتاريخ الإرسال وتوقيعه دون أية شارة أخرى أو كلمة قد توحي بإحساس ما أو شوق أو حنين أو حنان أو أي شيء ممّا تحمله هذه المراسلات عادة (ص 107). يُرسِلها فقط لتأكيد وجوده الرّمزي. لهذا تمرَّد عليه في ما يُشبه العقوقَ وانتقم لنفسه منه برفض الطريق الذي رسمه له، أي دراسة الهندسة الصناعية الغذائية لاستلام أحد فروع إمبراطوريته الصناعية الغذائية التجارية الكبرى ومٌراقبة والدته لدى بلوغه الثامنة عشرة من عمره، أيْ عِند بلوغه سنَّ الرُّشد القانوني، واختار الالتحاق بمدرسة الطيران. فتبرَّأ منه وحرمه من الميراث.

أمّه على الرّغم من حُبِّه لها ورثائه لحالها (وقَدَرِها) كانت غائبة هي أيضا (ص 22) كما لو أنّها مُغتمّة لمناورات زوجها في تغطية غيابه المتواصِل. كانت طوال حياتها واهِمة صامتة لا تتغير، ما جعلها تعاني هي أيضا من (توهُّم) صُداع مُزمن ينتابُها كلّما واجهت ما يستعصي على الحلّ، صداع تحاربه بشدِّ رأسها بخمار بربري مُرصَّع بقطع ذهبية وفِضية حقيقية صغيرة ورثته عن أمِّها وستورِّثه من دو شكٍّ إحدى بناتها. لا تحمل نظرتُها سوى أشياء قليلة أهمّها الشعور بالاحتجاز وعلامات الزمن الذي جمّده زوجها دائمَ الغياب. غيابٌ يذهب بالعاطفة الزوجية ولوازمها ويحيل وجودَها في البيت إلى ضرورة اجتماعية يستدعيها تحقيق أغراضٍ عِدّة: الوجاهة، الإنجاب، ملء البيت والإشراف على القيام بأعبائه.. الخ.

1.1.2.4.2. الشقيق البِكرُ المُتوفَّى


توفي هذا الشقيق البِكر في العشرين من عمره عندما أخفق في أحد تحدياته المُفضّلة ورهاناته مع رفاقه: القفز إلى عربة الترامواي عند انطلاقه. خلَّف هذا الموتُ التراجيديُ ندوبا كبيرة في نفسية البطل/الراوي رافِضا اختزالَه في حادث عرضي، الحقيقة التي كيَّفها والدُه تحت ضغْط السّلطات الدينية التي رفضتْ رفْضا باتّا فرضيةَ الانتحار، بل حتّى مُجرّد تصوُّرِها. كان هذا الشقيق مثله يخاف كثيرا من الحياة وربّما يكون هو الذي أوْرثه هذا الخوف. كان طالبا مُتفوِّقا في إحدى المدارس العليا. كان يُحبُّ الموسيقى: الأغاني القديمة منها خصوصا. كان في سِنِّ العِشرين غير قادِر على فعل شيء بما في ذلك الانتحار ومع ذلك كان يقضي أيامَه باحثا عن الموْت مُتحدِّيا له شامّا رائحتَه عن قرب مثلما كان يردِّد.

1.1.2.4.5. صديقا البطل/الراوي


لعِب صديقا البطل/الراوي اللصيقين كريم رايس -الذي كان رائع الجمال (حسبه) طويل القامة أنيق الهندام، فحلا، أي نقيضُه تماما وعبقري في حلِّ المعادلات من الصِّنف الثالث ويحفظ رباعيات عمر الخيام- وهنري كوهين دورا كبيرا في توجيه حياته والتأثير عليها فقد كان يقضي معهما منذ الطفولة ومن بعدها المُراهقة في قسنطينة وقتا طويلا. كما احتفظ بهذه الصّداقة بعد ابتعاده عنها لكنّه لم يقطع الاتصال بهما. كانت اهتمامات الثلاثة وأذواقهم متقاربة، لا يشذُّ عنهما إلاّ في النفور من النساء ودمامته نسبة إليهما. بدأ بصحبتهما حياة الانحراف ومُخالفة أوامِر الدين: شرب الخمر/الفودكا والتحشيش وارتياد دور اللهو وأماكن بيع المُتعة (المواخير) في السادسة عشرة من عُمره.

بقلم / د. ابراهيم صحراوي

ربيعي محمد




التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد النبراس السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

المحررون المتواجدون لآن

أنت زائر مجلة النبراس هذا العام رقم

Logo

Logo

احصائيات

View My Stats

شاركه

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النبراس - أدبية ثقافية إلكترونية

2017/2020