-->
random

آخر المواضيع

random
recent
جار التحميل ...
recent

قطيعة/ عبد القادر صيد



قطيعة
كلما اقتربت بجانب القرية ، وأطلقت صفير القطار، يظهر أفراد يركضون ، يركبون بسرعة فائقة ، و إذا لم يكن بينهم شيخ كبير أو امرأة ، فإنني لا أتوقف ، و إنما أكتفي بإنقاص السرعة فقط ،يحكي لي أولئك المسافرون ما يحدث في قريتهم حتى حفظت كل قصصهم ، و كنت دائما أسأل عن جديدهم ، و أطمئن على شيوخهم ، و أستخبر عن معالم في ذلك التجمع الذي يبدو لي من بعيد حفنة من بنايات متراصة ، من بين تلك المعالم شخص كلما افتقد أحدهم شيئا ، فإنه دون تردد يذهب إليه لا يسأله عن المفقود ، و إنما يخاطبه بثقة :
ـ أريد أن ترجع لي حاجتي..
و بكل هدوء و دون محاولة للإنكار أو الكذب البغيض ، يخرج له الشيء المسروق ، و يعتذر في حالة إنقاص جزء منه ، و تمر الحادثة عادية كأن أمرا لافتا لم يقع في القرية ، فقد اعتادوا عليه ،يأخذ كل ما تقع عليه عيناه ،دون أن يسترعي فعله هذا انتباه الرأي العام لشأنه في أي جلسة ، فهو لم يرق إلى المستوى الذي يكون فيه موضوعا للنقاش في السهرات الليلية المتبادلة التي تقام يوميا بين العائلات و الأصحاب و التي يتناولون فيها الغث و السمين .
في القرية أيضا شاب يجتنبون الحديث عنه بدون سبب ، و إنما جرى الأمر اتفاقا ألا يمر اسمه في الجلسات الرسمية للترفيه و السمر ، لكنهم في النهار يلقبونه بالإمام ، دون أن يكون قد وضع جبهته يوما لله، و إنما نال هذا اللقب لأنهم لم يسمعوه يوما يكذب و لا يسرق ، و كان لا يخوض فيما يخوضون فيه من العبث الخبيث أو الإشارات الماجنة ، في حين يلقبون إمام القرية الذي هو أصلا من أسرة احتكرت الإمامة منذ العهد العثماني بالصعلوك ، لا لسبب ، و إنما لحادثة يتيمة وقعت له أثناء مراهقته مازال المخيال الجمعي يرفض أن يتناساها ،و المؤكد أنه و بكل أمانة سيوصلها إلى الأحفاد بأجوائها الفاضحة.
و في القرية مجانين يمرون دون اهتمام إلا واحدا منهم ، يقف يوميا على الساعة العاشرة صباحا حاملا معه ما يشبه الميكروفون ، ثم يشرع في بث أحداث مثيرة ، ليست من خياله ، و إنما هي أخبار السبعينيات من القرن الماضي و بالتدقيق أحداث الأهوال و النزاعات و الحرب الباردة ، متأثرا بوجاهة و هيبة الزعماء الذين قادوا تلك المرحلة ، يقرأها على مسامع الحاضرين ،ثم يرجع إلى منزله محاطا بأولاده الكبار الذين تعودوا على فعله هذا دون اعتراض ، فقد كبروا على هذا الواقع ، و تجاوزا مرحلة التقبل و الجدال ، و الأهم عندهم أنه لا يعرج إلى الأحداث الجديدة لا تلميحا و لا تصريحا ،كأنه يدرس ما يقوله ، أو كأنه جن بعقل .
لا أحد من القرية خرج منها منذ فترة طويلة ،و لا أحد دخلها حسب ما يتذكر الشيوخ الكبار ، لكن الذاكرة المرهقة مازالت تستحضر أن بعض العائلات لها علاقة ببعض الأجناس الأوروبية ، و ذلك حينما كانت المعارك تدور على القلاع الساحلية ،حيث أسلم بعض الأسرى ، و تزوجوا من نساء المنطقة ، حدث أيضا أيام الحرب العالمية الثانية عندما كانت ألمانيا تقصف المطارات في البلاد أن سقط قائد طائرة بمظلته ، فلم يرد السكان تسليمه نكالا في فرنسا ، فأخفوه ، و علموه لغتهم ، و أسلم ، فزوجوه ، و أنجب أولادا ما زالوا متشبثين بأرض أمهم إلى اليوم .
الوحيد الذي خرج من القرية هو شاب مثقف يميل إلى الإلحاد مع أنه حافظ لكتاب الله و يصلي في الصف الأول في المسجد ، كل كلامه مستفز ، اختلفوا فيه ما بين مؤيد و بين مخالف ، يستهزئ بالأفكار القديمة ، و يطرح أسئلة في منطقة الممنوع للحقل العقلي لمجموعته ، يفكر بصراخ ، خرج يوما من منزله ، حفر بئرا،وضع كومة التراب فوق قطعة من القماش ،ثم جذبها إليه ، فدفن نفسه ،دون الحاجة إلى مساعدة أحد من القرية لأنه لا يحب أن يتفضل الناس عليه (العرب) كما يحلو له أن يسميه بنبرة من الشتيمة و الاحتقار .
في المقهى ، يتشدق مثقفهم قائلا :
ـ أكبر كذبة في التاريخ هي الجامعة العربية ، لا أقصد من حيث السياسة ، لكن من حيث التركيبة ،هي وهم عرقي ، ففي كل دولة عربية أكثريات عرقية ..
كلامه هذا هو سرقة فاضحة لأفكار ذلك المنتحر الذي لم يجد ندا له يستطيع أن يتبارز معه في صراع الكبار ، من أقواله التي أثارت عليه كثيرا من الحنق صدعه بأن القضية الفلسطينية ليست هي المركزية ، و أن أيادي خفية تسعى لإطفائها على الساحة بين الفينة و الأخرى ، معركتنا المركزية و الأصيلة هي ضد الجهل ، فلسطين غاية نصل إليها عندما ننقذ أنفسنا.. عندما كان يحتدم النقاش ، ينهيه بهذه العبارة :
ـ دعوها الآن و اهتموا بأنفسكم ..
في القرية أيضا متقاعد من شركة البريد ،مطّلع على جميع الأسرار منذ أن كان الهاتف عن طريق المحول المركزي ، حيث مكّنه ذلك من معرفة كل الأسرار ، فكان يسرد يوميا حكايات يدعي أنها من خارج القرية ، و لكي يقنع السامعين بذلك ، يدخل عليها بعض التعديلات في الأسماء و الزيادات في الأحداث ، كما كان يمزج بعض الأحداث في بعض ، و يرتجل نهايات من عنده كما يشتهيها ، أو يعير نهاية قصة لقصة أخرى ، لم يكونوا يتحسسون منه،لأنهم أخذوا منه عهدا ضمنيا أن لا يكشف الأسماء و أن لا يشي بما من شأنه أن يشير إلى أبطال قصصه .
و مع ذلك فالقرية ليست معزولة عن العالم الخارجي ،فهناك سوق أسبوعية ،يشترك فيها أجانب عن المنطقة مع أبنائها ، و هناك تجار يفدون عليها يوميا بسياراتهم و شاحناتهم ، يبيعون الفواكه الموسمية و الخضر ، و سلعا أخرى ، و الأهم من ذلك كله هو هذا السيرك الذي يقام كل سنة و الذي يحضره كل السكان سواء من يدفع ثمن التذكرة أو من لا يملك حقها ،و في فترة نصب الخيمة الكبرى التي تدوم بضعة أيام ،تختلط الغجريات بشبان القرية ، و تعقدن علاقات وهمية غرضها الاحتيال و الابتزاز ،يغامرن على حبال العاطفة ، كما يفعل شبان الغجر على الحبال التي لا ترحم الأخطاء لولا الشباك الواقي المتدلي في الأسفل.
هؤلاء السكان الذين يقتسمون نفس التراب و الهواء ، و الذين تتقاطع أجسامهم بالقرابة و المصاهرة لم يجتمعوا يوما ما من أجل دراسة أية مشكلة تعترضهم ، ربما إشكالهم يكمن في التصنيف ، فقد يختلفون في وضع أي مسألة في خانة المشكلات التي يجب التجمع من أجل دراستها ، لا يتذكرون إلا مرة واحدة بدؤوا يجتمعون يوميا بعد صلاة العشاء ، و ذلك من أجل الهوائي المقعر الكبير الذي يزود القرية بالقنوات الأجنبية ، شرعوا يتجمهرون يوميا ،مرة من أجل مناقشة الموضوع ،و مرات عديدة لجمع الأموال ، وبعدها من أجل تتبع أخبار هذا الجهاز ابتداء من شرائه في فرنسا إلى حمله على الباخرة حتى وصوله ، قصص مطولة ، و لحمه حميمية إلى غاية و تركيبه و توزيع الكوابل على المشتركين، و تتبع أولئك اللصوص الذين يتحايلون في مشاركة المنخرطين في المشاهدة بوسائل ذكية و غير شرعية ، يكفيهم أخوة أنهم يجتمعون .
لا وجود للأنثى في الشوارع ، فقد أحكمت عليها أبواب المنازل ، و لكنها هي المسيطرة داخل مملكتها ، حتى تعتقد أنها هي من تسجن نفسها لغرض تخفيه ، ربما يكون بعضه هو احتفاظ كل امرأة بزوجها بعيدا عن بقية الوجوه . تخرج النساء فقط في الأعراس فقط بدون حجاب تقليدي (لحاف) ،بل بكل زينتهن و تجبن الشوارع في جو يميل إلى الظلام يغنين و يحملن معهن الشموع ، و الويل للرجل الذي يلتقين به في الشوارع ، إنه سيموت خجلا ، و سيلتصق بوجهه في الجدار ، لا أرض تقله و لا سماء تظله..
يحدث أيضا أثناء الختان أن يخرجن حاملات سينية فيها القطعة من المنزوعة من المختون مدفونة فوق التراب ، يحدث ذلك عادة في الظهيرة ، ليُعدن دفنها في مكان معين وسط طقوس من الغناء و البهجة المقززة .و فيما عدا هذه المظاهر فكأن المرأة غير موجودة البتة .
لكنهم اليوم يجتمعون لأمر يبدو عظيما ، سيمر القطار وسط القرية، لأن المنطقة التي كنت أمر عليها أنجزوا فيها سدا يجمعون فيه المياه المنحدرة من الجبال المجاورة ، و وجب شق سكة حديدية باتجاههم تماما، ها هم الآن كتلة لمواجهة هذا المشروع ، يحمل شيخ القرية (كبير الزقاق) ورقتين فيها قوائم السكان و إمضاءاتهم ، لم ورقتين ؟ لسبب بسيط هو أنهم انقسموا إلى فريقين ، فريق على يمين السكة الحديدية و فريق على اليسار ، الألقاب مختلطة على الأوراق حسب الأمزجة و المصالح .
أصبح القطار يمر مرات كثيرة في اليوم مما تسبب في خلط أوراق اللص ، ومنع بث الأخبار في موعدها ، و قضى على التشدق في المقهى بأي كلام ، بل مما اضطرهم إلى إنشاء مقهى آخر ، و عليه فقد ظهرت قريتان ، قرية نسبت إلى اسم المنتحر و قرية سميت باسم الصعلوك ، كلتا التسميتين لاقت استحسان الجميع بكل ارتياح ،فلا يشترط في التسميات أن تكون جميلة أو تفاؤلية ، و في كل من القسمة و التسمية لم يستشر النساء لأن القطار لن يدخل البيوت التي هي مملكتهن .
عبد القادر صيد
L’image contient peut-être : 2 personnes
الكلمات المفتاحية :

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد النبراس السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

المحررون المتواجدون لآن

أنت زائر مجلة النبراس هذا العام رقم

Logo

Logo

احصائيات

View My Stats

شاركه

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النبراس - أدبية ثقافية إلكترونية

2017/2020