-->
random

آخر المواضيع

random
recent
جار التحميل ...
recent

قصة قصيرة
** صـَــــــــــدَى السّــــــــــــــــــــــــنين
جَلَسَ على رصيف الشارع يبكي بحرقةٍ وألم ،وهو يدعكُ عينيه ِويمسحُ ما تسرّبَ من أنفهِ .حائراً لايدري ما يفعله . كيف سيعود الى البيت ؟. من أين يأتي بأجرة الباص؟. وإن استطاع العودةَ ، كيف له النجاة من عقابها المنتظر؟.ستسلخ جلدَه من دون رحمة، اوشفقة .فقد اذاقتْ طفولتَه الذلَّ والحرمانَ، وجادتْ عليه فقط بالضّرب، والشّتائم لأتفهِ سبب؟.
صباح هذا اليوم وَضَعتْ بين يديه دجاجةً كبيرةً، وأرسلته كما في كل مرّةٍ ليبيعها لها في سوقِ الدّجاجِ . ناولته عشرةَ فلوسٍ أجرة الذهاب فقط . أما أجرة العودة فسيتمكن من الحصول عليها عند بيع الدّجاجة .لم تنسَ أن تكرر عليه ثمنَ بيعها ،والويل له أن باعها بأقلِّ من ذلك ،حتى لوبقيَ ينتظر من يشتريها منه إلى العصر.
شعر بأنياب الجوع تمزق معدتَه ، تلفّتَ في كلِّ الإتجاهات ،باحثاً عمن ينقذه من حيرته ،وألمه، وجوعه الذي بدأ بشعر بقسوته . المرأة العجوز بجانبه ،يبدو أنها باعت كلِّ دجاجاتها ، قبّلتْ الدراهمَ ومسّتْ بها جبهتَها المتعرقة ثلاث مرات . أخرجتْ من بين طيّات خرقةٍ نصفَ رغيفٍ مطوي . كانت عيناه من بين دموعه ، يلاحقان يدَ العجوز وهي تفتح الرغيف . التفتتْ نحوه ،وكأن غريزة أمومتها ٌأحسّتْ ْبشدة جوعه .قالت وهي تنفض ثوبها لتذهب : خذه ،سأذهبُ لبيتي.تلقفته يدُه منها وعيناه قبل لسانه يلهجان بالشكر والامتنان .
مضى وقت طويل. نظر حواليه، بدأ سوق الدّجاج يخلو من الباعة والمشترين. يكادكلّ من جاء لبيع دجاجه قد انتهى، وغادر ،الا هو .عاد من جديد لنوبةٍ جديدةٍ من البكاء المرير.يالهُ من حظٍّ سيئٍ ، لو لمْ يفقدْ دجاجتَه لكان الآن في البيت منذ ساعات، ولنَعُمَ برضاها ولناولته كسرة الخبز ،ولخرجَ يلعب مع أقرانه . لكنَّ حظه العاثر هذا اليوم ، جعل الدجاجة المربوطة تقفز من يدِ تلك المرأة التي كانت تساومه على ثمنها ،وراحت تتقافز بمساعدة جناحيها لتصلَ منتصفَ الشارع .حاولَ جاهدا اللحاق بها ،لكن عجلات السيارة المسرعة كانت أسرع منه ، جعلتْ من لحم دجاجته وريشها ملتصقان بالأسفلت . صرخ مذعورا : الدجاجة... الدجاجة...بعض النسوة القريبات منه ،أبدت إْحداهن أ سفها : حرام ... دجاجة كبيرة تساوي نصف دينار بحاله ، حرام راحتْ تحت العجلات ...يامسكينة . ثم ما لبثن أن عُدْنَ الى سعار البيع والشراء،أما هو فظلَّ حائرا لا يدري ما يفعله، فقط لجأ الى البكاء والنشيج .
انقضت ساعاتُ الظهيرة ، وكاد العصر يلملم أذيالَ الرحيل . التفتتْ الى زوجها : أين ذهب هذا مقصوف العمر، لم يعد للآن؟!...اذهب اليه وآتِ بالنقود، أخشى أن يشتري ببعضها طعاما ليتسمم به.نفض الزوج يده من طعامه وسارع إلى الباص ليذهب باحثا عن ولده الصغير . لم يجهده البحث طويلا ، وجده متكورا قرب سياج السوق غارقا بالدموع ، ووجه الشاحب بدا بلون وجوه الموتى . فزَّ الطفلُ حين امتدتْ لترفعه ذراعا أبيه، وانطلق صراخه ونشيجه : أبي... أبي... الذنب ليس ذنبي ...أرجوك أبي أنقذني من عصاها...
تلك الليلة لم يستطع النوم خشية أن تأتيه إلى فراشه لتنتقم لفقدان دجاجتها، وتطرقه بعصاها التي لا ترحم.
في الصباح،بعد ذهاب والده الى عمله ، أيقظته: أقعد ... سأريك نجوم الظهر ابن ال..........
ربطته إلى عمود السقيفة ، وراحت تجلد جسدَه الصغير بلا شفقة، غير عابئةٍ بصراخه ،وتوسلات جارتهم التي هبّت لنجدته من عصا امرأة لا تعرف الرّحمةَ أبدا.
***
سكت صديقي وهو يسحب نفساً طويلاً من سيجارته وعاد ليكمل قصته:
- آه... تلك أيامٌ مضتْ. عُدنا لذكريات مضى عليها خمسون عاما .نعم خمسون عاما . رحم اللهُ أبي كان مغلوباً على أمرهِ . وغفر لزوجة أبي ، كانتْ قاسيةً وشديدةً معي ووديعةً جداً مع أخوتي أطفالها الصغار .
مَسحَ صديقي دمعتين تسللتا إلى أهداب عينيه وأشار الى صانعه ليلبي طلبات زبائن مطعمه الكبير.
------------------
مجيد الزبيدي
من مجموعتي القصصية (في ظل الجحيم)



الكلمات المفتاحية :

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد النبراس السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

المحررون المتواجدون لآن

أنت زائر مجلة النبراس هذا العام رقم

Logo

Logo

احصائيات

View My Stats

شاركه

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النبراس - أدبية ثقافية إلكترونية

2017/2020