-->
random

آخر المواضيع

random
recent
جار التحميل ...
recent

مقال ..عن الاديب الكبير تولستوي بقلم الشاعرة: سليمة مليزي

روائع الادب العاليم تولستوي
من روائع الأدب العالمي تولستوي وقصته مع الإسلام ....
من الادب العالمي مقال عن الاديب الكبير تولستوي


بقلم سليمة مليزي


+
أفضت الأبحاث العميقة الّتي قام بها تولستوي في الفلسفة المسيحية إلى انصرافه عمّا كانت تقوم به الكنيسة، وكفره بما يعتقده قساوستها، والتزم الطّريق الّذي أوصله في أحايين كثيرة إلى نور الحقّ، الّذي ينسجم وتعاليم الدّين الإسلامي الحنيف، بل هناك من الدراسين منذهب إلى أبعد من ذلك عندما جزم بدخوله الدين الحنيف، مستندين على دلائل مثل بعض أقواله من أهمّها: “إن كنت موجودا فلا بدّ من وجود سبب ما لهذا الوجود، ومسبّب له، وهو ما يدعوه النّاس الله“.
ثم يزيد على ذلك بما ينسجم ونصرته للحقّ ليقول: “سوف تسود شريعة القرآن العالم لتوافقها مع العلل، وانسجامها والحكمة، لقد فهمت وأدركت أنّ ما تحتاج إليه البشريّة هو شريعة سماوية تُحقّ الحقّ، وتُزهق الباطل، ستعمّ الشّريعة الإسلامية كلّ البسيطة لائتلافها مع العقل، وامتزاجها بالحكمة والعدل“.
كما أكّدت الأديبة “فالاريابروهوفا” هذا الطّرح عندما قالت: “إنّ تولستوي قد أسلم في أواخر حياته بعد قيامه بدراسة الإسلام، وأوصى أن يدفن على أنه مسلم“، وتستدلّ على ذلك بعدم وجود إشارة الصّليب على شاهد قبره. وقد بذلت الحكومة الرّوسية جهدها في إخفاء هذه الحقيقة، خوفا من انتشار خبر إسلامه، الّذي كان سيُحدث تيارا من حبّ الإسلام بين أفراد المجتمع الرّوسي المعجبين بكتاباته.
وممّا يُذكر أنّ تولستوي لم يُعجب بالفلسفة الشّيوعية الّتي كانت قد انتشرت بسرعة بين المثقّفين الرّوس آنذاك، ولم يجد فيها ما يشبع عقله وقلبه وروحه، بل فضّل الإسلام عليها، ولعلّ رسائله الّتي كتابها إلى إحدى القارئات توضّح مدى إعجابه بالإسلام، وربّما اعتناقه له في أغلب الاحتمالات( قال ليو تولستوي:”أما إذا جئنا إلى أفضلية الدين الإسلامي على الدين المسيحي، وإلى النية السامية لأبنائكم، فإنني أؤيد هذا من كل قلبي، وقد يكون صدور هذا الكلام من شخص يقدر القيم المسيحية غريباً، ولكن عليّ أن أقول بأنني واثق جداً بأن الإسلام يبدو متفوقاً على الدين المسيحي الذي تقدمه الكنيسة بدرجة لا يمكن قياسها، ولو وضع أمام أي شخص حرية الاختيار بين الدين الإسلامي ومسيحية الكنيسة؛ لكان على كل شخص عاقل اختيار الدين الإسلامي الذي له إله واحد ونبي واحد، وليس اختيار الدين المسيحي بثالوثه الغامض على الفهم والإدراك، وبمراسيمه في غفران الذنوب وبشعائره الدينية، وبتوسلاته لأم المسيح، وبعبادة صور القديسين العديدين. إن كل فرد من الأفراد، بل إن الإنسانية جمعاء، وكذلك الشعور الديني الذي يشكل قاعدة حياة الناس يتجه نحو التكامل ونحو النضوج، وكل شيء في الحياة يتطور ويتكامل. أما تطور الدين وتكامله فيتم باتجاهه نحو النقاء والبساطة، وكونه مفهوماً، وتخلصه من كل ما يجعله غامضاً. لقد سعى جميع مبلغي الأديان وواضعو أسسها منذ القدم إلى تطهير الحقائق الدينية من كل ما يجعلها غامضة“.
ويضاف إلى ذلك ما بيّنه الدكتور محمود علي التّائب بخصوص احتمال تستّر زوجة تولستوي على إسلامه الّذي سبق موته بقليل، حيث يقول: “كنت أعلم أنّ ثمة مراسلات بين تولستوي أديب روسيا الأكبر، وبين الإمام محمد عبده، لكنّني لم أعلم أنّ هذا الأديب قد دفعه إحساسه العميق بالبطولة الشيشانية إلى أن يُضمّن روايته “حاجي مراد” أوّل نبضات قلبه بدين الإسلام، وأنّه قد أسلم قبيل وفاته، وأنّ زوجته قد جهدت في إخفاء هذا التّحوّل الرّوحي عنده، وأنّ ابنه الأصغر ميخائيل عاش سنوات عمره الأخيرة في المغرب، وأنّ هناك من يقطع بإسلامه أيضا“.
والجدير بالذّكر أن تولستوي قرأ ترجمة القرآن الكريم باللّغة الفرنسية، وتوجد نسخة من القرآن الكريم في مكتبة تولستوي في بيته. ودوّن الكاتب الرّوسي بعض الملحوظات الّتي تدلّ على قراءته للقرآن الكريم، وهذه النّسخة محفوظة في مكتبته الخاصة، الّتي تحوّلت فيما بعد إلىمتحف لمتعلّقاته.
[/
يعود اهتمام تولستوي بشخصية الرسولمنذ قراءته لبعض الأحاديث النّبويّة الّتي ترجمها الهندي المسلم عبد الله السّهروردي إلى اللّغة الإنجليزية عام 1908م، فأُعجب بها كلّ الإعجاب، وقرّر ترجمتها إلى اللّغة الرّوسية، وقدّم لها مقدّمة تتّسم بالإنصاف التّام والإعجاب الكامل برسول اللهوبما في شريعته من قيم سامية وفكر راق.
ولما رأى تولستوي ما كان من تحامل الملحدين والمُنصّرين الرّوس على الدّين الإسلامي ورسوله الكريم، ونسبتهم إليه أمورا تتنافى مع الحقيقة، هزّته الغيرة على الحقّ، وشعر في أعماقه بضرورة الوقوف مدافعا عنه، وعدم السّكوت عن هذه الافتراءات، فتصدّى لتأليف رسالة عنه باللّغة الرّوسية سنة 1909م، سماها حكم النبيّ محمّد، حيث أبرز فيها الكثير من الجوانب الّتي تتعلّق بحياته، كما ضمنّها البعض من الأحاديث النبويّة الشّريفة، ناهيك عن حديثه عن قضايا تتّصل بالإسلام والمسلمين كالحجاب والزواج وغير ذلك.
بدأ الفيلسوف تولستوي حديثه في هذا الكتاب بالتّعريف بمحمدقائلا: “إنّ محمّدا هو مؤسّس الإسلامية، ورسول تلك الدّيانة الّتي يدين بها في جميع جهات الكرة الأرضية مائتا مليون نفس“.
وينمّ هذا الكلام عن إعجاب منقطع النّظير بشخصية الرّسولالذّي استطاع أن يُؤسّس لدين قوامه العدل وإعلاء راية الحق، ممّا جعله يصل إلى كافة مناطق العالم، ويدين به أكثر من مليار نسمة من البشر.
ويوضّح تولستوي ما كان من عقيدة العرب قبل ظهور الإسلام، وموقف الرسولمنها، فيقول: “إنّ العرب المعاصرين لمحمّد عبدوا أربابا كثيرة، وبالغوا في التقرّب إليها واسترضائها، فأقاموا لها أنواع التعبّد، وقدّموا لها الضّحايا المختلفة…ومع تقدّم محمّد في السنّ كان اعتقاده يزداد بفساد تلك الأرباب، وأنّ ديانة قومه ديانة كاذبة، وأنّ هناك إلها واحدا حقيقيا لجميع الشّعوب“.

ثم يبرز تولستوي حقيقة هذا الدّين وكأنّه أحد معتنقيه، ويجتهد في شرح خصائصه لمواطنيه المشكّكين فيه. يقول: “وخلاصة هذه الدّيانة التي نادى بها محمد هي أن الله واحد لا إله إلا هو؛ ولذلك لايجوز عبادة أرباب كثيرة، وأن الله رحيم عادل، وأن مصير الإنسان النهائي متوقف علىالإنسان نفسه، فإذا سار حسب شريعة الله وأتم أوامره واجتنب نواهيه، فإنه في الحياةالأخرى يؤجر أجراً حسناً، وإذا خالف شريعة الله وسار على هواه، فإنه يعاقب في الحياةالأخرى عقاباً شديد،وأن كل شيء في هذه الدنيا فان زائل، ولا يبقى إلاالله ذو الجلال،وأنه بدون الإيمان بالله وإتمام وصاياه لا يمكن أن تكونهناك حياة حقيقية، وأن الله تعالى يأمر الناس بمحبته ومحبة بعضهم؛ ومحبة الله تكونفي الصلاة، ومحبة القريب تقوم في مشاركته في السراء والضراء ومساعدته والصفح عنزلاته، وأن الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر يجب عليهم أن يبذلوا وسعهملإبعاد كل ما من شأنه إثارة الشهوات النفسانية، والابتعاد أيضا عن الملذات الأرضية،وأنه يتحتم عليهم أن لا يخدموا الجسد ويعبدوه، بل يجب عليهم أن يخدموا الروح، وأنيزهدوا في الطعام والشراب، وأنه محرم عليهم استعمال الأشربة الروحية المهيجة، ويجبعليهم العمل والجد وما شابه ذلك“.
وما كان تولستوي ليقول هذا الكلام لو لم يقف مع الحق وقفة عالم منصف، خبر الحياة، ورأى بأم عينيه ما سُلّط على الإنسان من ظلم باسم الدين والعقيدة، وعلى هذا الأساس فقد اعتبر الدّين الإسلامي المنهج السّليم الّذي يخلّص البشريّة من الأزمات والكوارث، والطّريق القويم الّذي يؤسّس لحضارة تبني قواعدها على تقدير الإنسان وصيانة شرفه، وترسيخ قيم التّسامح والعدل، واحترام أصحاب الدّيانات الأخرى بعدم إكراههم على اعتناق هذاالدّين المتين؛ فمحمّد على حدّ قول تولستوي “لم يقل عن نفسه إنّه نبيّ الله الوحيد، بل اعتقد بنبوّة موسى والمسيح. وقال إنّ اليهود والنّصارى لا يُكرهون على ترك دينهم، بل يجب عليهم أن يُتمّموا وصايا أنبيائهم“، كما أنّ من فضائل الدّين الإسلامي: أنه أوصى خيرا بالمسلمين واليهود ورجال دينهم، فقد أمر بحسن معاملتهم، وقد بلغ من حسن معاملته لهم: أنه سمح لأتباعه من الرجال بالتزوج من أهل الديانات الأخرى، ولا يخفى على أصحاب البصائر العالية، ما في هذا من التسامح العظيم.
كما اعترف تولستوي بصبر النبيّ -e-، وشدّة عزمه في سبيل نشر رسالته، رغم ما لاقاه من قومه من عذاب واضطهاد، يقول: “وفي سني دعوة محمد الأولى احتمل كثيرا من اضطهاد أصحاب الدّيانات القديمة، شأن كلّ نبيّ قبله نادى أمّته إلى الحقّ، ولكنّ هذه الاضطهادات لم تثن عزمه بل ثابر على دعوة أمّته“.
ولم يقتصر ثناء الكاتب على شيم النبيّوعظمته، بل تعدّاه إلى الحديث عن صحابته الكرام الّذين رباهم النبيّ بأحسن ما تكون التّربية، فنهلوا من المنبع الصّافي الّذي لا تُكدّره الدّلاء، ونهضوا منافحين عنه، معظّمين قدره، وواقفين عند الحدود التي بيّنها لهم، مدافعين عن الإسلام بكلّ ما يملكون، وهذا ما أبرزه تولستوي في قوله: “ولم يمض على جماعة المؤمنين زمن طويل حتى أصبح المحيطون بهم يحترمونهم احتراماً عظيماً و يعظمون قدره و غدا عدد المؤمنين يتزايد يوماَ فيوم… و إذا كان انتشار الإسلام انتشاراً كبيراً على يد هؤلاء لم يرق بعضاً من البوذيين و المسيحيين، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أن المسلمين اشتهروا في صدر الإسلام بالزهد في الديانة الباطلة، و طهارة السيرة، و الاستقامة و النزاهة، حتى أدهشوا المحيطين بهم بما هم عليه من كرم الأخلاق و لين العريكة و الوداعة“.
وفي ختام تعريفه بشخصية الرّسول أقرّ تولستوي بفضل هذا النبيّ العظيم على البشريّة جمعاء، وبضرورة الوقوف أمام ما قام به من تضحيات وقوفا يستدعي التجلّة والتّعظيم؛ إذ يقول: “و مما لا ريب فيه أن النبي محمداً من عظام المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، و يكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، و جعلها تجنح للسكينة و السلام، و تفضل عيشة الزهد، و منعها من سفك الدماء و تقديم الضحايا البشرية، و فتح لها طريق الرقي و المدنية، و هو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، و رجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام“.
أما الجزء الثّاني من هذا الكتاب الهامّ فقد اختار فيه تولستوي أن يورد مجموعة لأحاديث النبيّكان قد استقاها -كما ذكرنا- من كتاب عبد اللّه السّهروردي، وعرّبها من الإنجليزية إلى الروسية، وكانت هي الدّافع في عنونة هذا الكتاب بهذا الشّكل.
وتدلّ تلك الأحاديث الّتي وضعها تولستوي في كتابه على إعجاب هذا الفيلسوف بعظمة الدّين الإسلامي، واحترامه لرسوله الكريم وتقديره له، لأنّ من شأن هذه الوصايا المُحمديّة أن تُخرج العالم برمّته من حالات الضياع الفكري، والتشتّت الاجتماعي؛ وأن تعطي للأمم فسحة للانطلاق نحو التّأسيس لحضارة تُقدّر الفرد، وتسمو به إلى التطوّر في شتى المجالات.
ثم من الواجب القول في نهاية عرض هذا المُؤلَّف، التّأكيد على أنّ هذا الأخير من الكتب النّادرة الّذي طُبع قبل تسعين عاما، وهو مجهود غير معروف لدى الكثير من النّاس، وهو في الوقت نفسه يُنصف الإسلام، ونبيّه الكريم، ويدعو الآخرين إلى إنصافه، والكتاب في النّهاية وثيقة تاريخية لصالح الإسلام والمسلمين
.
سليمة مليزي

نتيجة بحث الصور عن سليمة مليزي
الكلمات المفتاحية :

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد النبراس السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

المحررون المتواجدون لآن

أنت زائر مجلة النبراس هذا العام رقم

Logo

Logo

احصائيات

View My Stats

شاركه

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النبراس - أدبية ثقافية إلكترونية

2017/2020