-->
random

آخر المواضيع

random
recent
جار التحميل ...
recent

ذات يوم .. الجزء الأول من قصة للكاتب: يحيى محمد سمونة

ذات يوم - 1 -
كنت قد انتهيت لتوي من طعام الغداء و كانت زوجتي قد أعدت لي كوبا من الشاي عندما أمسكت بجهاز تحكم الصحن اللاقط أتجول من خلاله ببعض الفضائيات، و فوجئت بغياب الإشارة كليا، قلت في نفسي لعل كبل اللاقط قد خرج من مكانه بسبب الرياح الشديدة، و قررت الصعود إلى السطح للتأكد من ذلك، وضعت كوب الشاي جانبا و خرجت نحو سطح [البناية].. و كان لزاما علي أن أطلب من الجيران في الطابق الأخير سلما كي أصعد عليه نحو السقف [ذلك أنه لا يمكن الوصول إلى السطح إلا من خلال فتحة السقف فوق مطلع الدرج] .. و بعد أن غدوت فوق السطح و رحت استطلع أمر الكبل، إذ سمعت أصواتا اختلط فيها الصياح و العويل و الندب! و كان مصدر تلك الأصوات مطلع الدرج، أسرعت و مددت رأسي عبر الفتحة التي صعدت منها، و يا هول ذلك المشهد !
إنه -محمد- الولد الأصغر لجاري بشير [البيت الذي طلبت منه السلم] و كانت أمه مشغولة في مطبخها عندما غافلها هذا الصبي [3 سنوات] و شرع يصعد السلم من بعدي! لكنه سقط ليس على درجات السلم فحسب بل هوى نحو طابق أسفل من درج البناية 
لست أذكر كيف شرعت أنزل السلم! غير أني وجدت نفسي محاطا بعدد من الجارات اللواتي لا شيء يكبح أو يلجم أصواتهن، و قد حملت إحداهن الطفل و هي تركض به جهة المشفى[ و كان المشفى قريبا] فيما كنت أنا أركض خلفها و قد سقط في يدي و لم أعد أبصر تماما سوى أنني أرقب الطفل الذي تحمله الجارة بيديها و قد خرج الدم من فمه و زاغت عيناه .. يا إلهي
_______________
ذات يوم - 2 -
رغم أن الطريق لم تكن طويلة، لكنه كاد يغمى علي قبل أن نصل بالطفل إلى المستشفى، ذلك أن حالته كانت - و أنا أنظر إليه - تدعو إلى خوف و يأس، حتى أن إدارة المشفى رفضت استقباله خشية موته بين يديها، مما يسيئ إلى سمعتهم المهنية [ طبعا لم يصرح أحدهم بهذا لكنهم قالوا بعدم وجود الأجهزة اللازمة لديهم! ]
و في طريقنا إلى مشفى الجامعة [هو مشفى حكومي مجاني] كان سائق [التاكسي] يسير بسرعة جنونية و كاد أكثر من مرة أن يتسبب بحوادث سير لكونه ليس ممن ملك تقنيات القيادة السليمة!
وصلنا بسلام إلى المشفى الحكومي و فيه تم إخضاع الطفل لعدد من الفحوصات الضرورية، و تم تحرير وصفة طبية بعدد من الأدوية التي لم ألبث أن أحضرتها على وجه السرعة و لم يصرح لنا الكادر الطبي بحالة الطفل سوى أنهم قالوا لا بد من وضعه تحت المراقبة لمدة [٢٤ساعة] قبل التأكد من حالته... هنا بدت لي الساعات القادمات كأنهن قمم جبال شاهقة يتوجب الصعود إليها بأي حال!
في هذه الأثناء كان والد الطفل قد حضر [ كان الرجل في حياته عموما عصبي المزاج و سريع الغضب، و كانت علاقتي به - باعتباره جارا - تقوم على الاحترام المتبادل، و كان موظفا متوسط الحال ] و قد حاول أن يتفهم على وجه السرعة الذي حصل، و بعد أن ألم ببعض خيوط الحدث توجه بسهام نظرة إلى زوجته [أم الطفل] ثم أتبع ذلك على مسمع مني ببضع شتائم و كلمات نابية، و كاد أن يهجم على زوجته يفرغ شحنة غضب تملكته!!
فيما تصاغرت انا في ذلكم الموقف العصيب و فقدت القدرة على النطق [إنه من سوء حظي أنني لست ممن يحسن التصرف في مواقف كهذه و خاصة في حالات استثنائية كتلك الحالة]
ثم التفت الرجل إلي و قال - و هو يجيل النظر في المكان - انا لم يعجبني هذا المشفى ولا بد من نقل ولدي إلى مشفى خاص
قلت: قال الأطباء هنا أنه لا بد للطفل من حالة سكون تام ريثما تستقر حالته
قال: هؤلاء الأطباء ها هنا لا يفقهون شيئا، و أنا أريد إنقاذ ولدي
هنا آثرت أنا الصمت و تركته يتصرف كما يشاء
و بالفعل تم نقل الطفل تحت جنح الليل إلى مشفى خاص و كان ذلك دون إرادة مني فدعوى الأب أنه يريد إنقاذ ولده لم تكن تقنعني في شيء، إضافة إلى ذلك فمن أين لي أن أسدد تكاليف و فاتورة المشفى الخاص؟!
_________
ذات يوم - 3 -
تم نقل الطفل من المشفى الحكومي إلى مشفى خاص، و كان وضعه لا يزال حرجا و لا يبعث على الأمل، و إنه ما من شيء يشير إلى أن نشاطاته الحيوية تسير على ما يرام، غير أننا نحن الثلاثة[ أمه و أبيه و أنا ] لا نفقه تماما بحالته الصحية التي هو عليها الآن، و كنا متجهمي الوجوه، و كنت أسمع بين الحين والآخر بضع تمتمات - منها ما هو مفهوم و منها ما هو غير مفهوم - يوجهها الأب للأم و لي فيها نصيب، و كنت أظن أنه عداك عن حالة الطفل المتدهورة فإن العلاقة بين الأب و الأم ثمة مؤشرات توحي بأنها لا تسير على ما يرام، و أنه ثمة تهديدات بضرب و طلاق تتلقاها الأم بوجهها المكفهر، و كنت أبحث لنفسي من خلال ذلك عن إجابة لا تزال عالقة بذهني منذ ذلك التأريخ و حتى يومنا هذا [ مضى الآن على تلك الحادثة ما يقرب من ثمانية عشر عاما ] و أنا أتساءل: ما مدى مسؤوليتي فيما حصل ؟!
كانت الشرطة قد حضرت لمجرد أن دخل الطفل المشفى و شرعت بكتابة ضبط في الذي حصل، و لم يذكر الأب - في محاولة منه إخلاء مسؤوليتي - في ضبط الشرطة موضوع السلم بل قال بأن الطفل سقط على الدرج و حسب
و بدا الرجل يذكرها لي و كأنه يريد بذلك التأكيد على أنه رجل فاضل و أنه لم و لن يسيء إلي في شيء رغم الذي حصل.
المشفى الجديد الذي تم نقل الطفل إليه لا يختلف عن سابقه سواء من حيث النظافة أو الكادر الطبي! قلت في نفسي: كم نكون أغبياء عندما تستحكم فينا الانفعالات ولا تدعنا نسلم أمورنا عن وعي و دراية إلى من يدبر أمور الكون كله عن علمه و عدله و حكمته.
اجتمع الأطباء من جديد حول الطفل و بعد جملة من الفحوصات تم من جديد تحرير وصفة طبية، و حين قلنا للطبيب المشرف، لدينا وصفة كاملة احضرناها معنا من مشفى الجامعة، تبسم بعد ان اطلع عليها و قال: هذه الوصفة لا تصلح لهذه الحالة، ثم التفت إلي و قال أحضر وصفتي هذه كاملة و على وجه السرعة.. و لو رأيتني كيف انطلقت لإحضار الدواء الجديد، و لكنني قبل ذلك كنت قد سألت الطبيب: كيف هي حالة الطفل دكتور؟ تبسم، و قال: كن مطمئنا.
غير أن وضعي النفسي و الجسمي لم يعد على ما يرام و قد غدوت مرهقا تماما و أكاد أسقط في أية لحظة، و لا أزال أذكر كلمات الأطباء اول مرة إذ قالوا لا بد من مرور [٢٤ساعة] من قبل أن نتمكن من معرفة وضع الطفل.
أحضرت الدواء و وضعته جانبا و رحت أتفحص بنظري وجه الطفل الذي بدأ لي الآن أنه أكثر هدوءا.
خطرت لي زوجتي و كيف أنه أغمي عليها حين تركتها وأنا في طريقي لإسعاف الطفل !
ثم خطر لي كيف أنني تركت كوب الشاي جانبا على أن مسألة تتبع شريط اللاقط لإصلاحه لن تستغرق زمنا طويلا !
و يتبع إن شاء الله تعالى
- يحيى محمد سمونة -



الكلمات المفتاحية :

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مجلة نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد النبراس السريع ليصلك جديد المجلة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

المحررون المتواجدون لآن

أنت زائر مجلة النبراس هذا العام رقم

Logo

Logo

احصائيات

View My Stats

شاركه

جميع الحقوق محفوظة

مجلة النبراس - أدبية ثقافية إلكترونية

2017/2020